الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

109

شرح ديوان ابن الفارض

البديعية وما أحسن ما قال بعضهم وأجاد : يا بدر أهلك جاروا * وعلموك التجري وقبحوا لك وصلي * وحسنوا لك هجري فليصنعوا ما أرادوا * لأنهم أهل بدر وقد نظم بعضهم مواليا وأجاد : يا بدر أهلك يقولوا لك عليّا جور * وعلموك التجافي يا بهيّ النور فليصنعوا ما أرادوا يا شقيق الحور * لأنهم أهل بدر ذنبهم مغفور ( ن ) : كنى بالركب عن طائفة أهل اللّه العارفين به المحققين لقوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الإسراء : الآية 70 ] والجسمانيات وبحر الروحانيات فهم المحمولون على كل حال لشهودهم الحامل الحق وقيامهم به ظاهرا وباطنا فهم ركب دائما لا مشاة سائرون به إليه في طريقه المستقيم . وقوله سروا ليلا ، كنى بالليل عن ظلمة الأكوان فهم محمولون به سائرون إليه به في ظلمات النفوس والطبائع لتحققهم بها أنها تجلياته الربانية في حضراته الإنسانية . وقوله وأنت بهم ، أي ظاهر بوجودك الحق في تقادير أعيانهم العدمية . وقوله بسيرهم متعلق بيهن ، أي ليهنوا بسيرهم والضمير للركب . وقوله في صباح منك ، أي ظاهر لهم من ظهور وجودك الحق وهو النور الحقيقي وهذا من التجريد البياني كقولهم رأيت من زيد أسدا . وقوله ليصنع الركب ما شاؤوا لأنفسهم ، أي لأجل أغراض أنفسهم فإنهم قائمون بأنفسهم بربهم فأنفسهم بيد ربهم يتصرف بها كيف يشاء وهو يصرفهم بها كيف يشاؤون . قال تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : الآية 30 ] والغافل قائم بنفسه ذوقا وبربه علما لا ذوقا فعلمه حجاب على ذوقه وهؤلاء الركب قائمون بأنفسهم بربهم ذوقا وكشفا . وقوله هم أهل بدر ، الإشارة بأهل بدر إلى معنيين الأول أنهم أهل الغزوة المشهورة التي غزاها النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل فتح مكة بعد الهجرة والنصر ببدر هو المشهور الذي قتل فيه صناديد قريش وعلى ذلك اليوم بني الإسلام وكان تاريخ بدر يوم سبعة عشر من رمضان يوم الجمعة لثمانية عشر شهرا من الهجرة وكان عدد الصحابة ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا وكان عدد عدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف . والمعنى الثاني أنهم أهل بدر وهو القمر على معنى التشبيه بتجلي الحق تعالى بهم عليهم وانكشافه لهم بهم كما أن الشمس متجلية ليلا بالقمر ظاهرة به لأهل الليل فإن نور البدر المشرق هو نور الشمس قام لها كالمرآة المجلوّة فأظهر نورها